الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فينصبون ما بعدها على توهم اسم ( لكنّ ) وتقدر بمعنى ( لكن ) المخففة العاطفة عند بني تميم فيتبع الاسم الذي بعدها إعراب الاسم الذي قبلها وذلك ما أشار إليه سيبويه في باب يختار فيه النصب من أبواب الاستثناء « 1 » . فأما إن كان ما بعد إِلَّا جملة اسمية أو فعلية فإن إِلَّا تقدر بمعنى ( لكن ) المخففة وتجعل الجملة بعد استئنافا ، وذلك في نحو قول العرب : « واللّه لأفعلن كذا إلّا حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا » قال سيبويه : « فإن : أن أفعل كذا ، بمنزلة : إلّا فعل كذا ، وهو مبني على حلّ ( أي هو خبر له ) . وحلّ مبتدأ كأنه قال : ولكن حلّ ذلك أن أفعل كذا وكذا » ا ه « 2 » . قال ابن مالك في « شرح التسهيل » : وتقرير الإخراج في هذا أن تجعل قولهم : إلا حلّ ذلك ، بمنزلة : لا أرى لهذا العقد مبطلا إلّا فعل كذا . وجعل ابن خروف من هذا القبيل قوله تعالى : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ [ الغاشية : 22 - 24 ] على أن يكون مَنْ مبتدأ و « يعذبه اللّه » الخبر ودخل الفاء لتضمين المبتدأ معنى الجزاء . وقال ابن مسعود : إن إِلَّا في الاستثناء المنقطع يكون ما بعدها كلاما مستأنفا ا ه . وعلى هذا فقوله تعالى هنا : إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً تقديره : لكن من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف ، فيكون مَنْ مبتدأ مضمّنا معنى الشرط و لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ جملة خبر عن المبتدأ وزيدت الفاء في الخبر لتضمين المبتدأ معنى الشرط . وأسهل من هذا أن نجعل مَنْ شرطية وجملة فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ جواب الشرط ، واقترن بالفاء لأنه جملة اسمية . وهذا تحقيق لمعنى الاستثناء المنقطع وتفسير للآية بدون تكلف ولا تردد في النظم . ويجوز أن تكون جملة وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ إلخ اعتراضا بين جملة قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ سبأ : 36 ] وجملة قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ

--> ( 1 ) انظر الجزء الأول ص 319 طبع باريس . ( 2 ) نفس المصدر والجزء ص 326 .